UNDP Peace Building
UNDP Peace Building عربي UNDP Peace Building
UNDP Peace Building
المزيد
عرض أقل
لبنان: حماية لاجئي المستقبل من خلال النظر إلى الماضي
نشر في أيلول 23, 2021 |
A-
A+
الكاتب
أستاذة في جامعة أوسلو
لبنان: حماية لاجئي المستقبل  من خلال النظر إلى الماضي
Rafik Hariri

إنّ الأزمات المستمرّة في لبنان، بما في ذلك الإنهيار الإقتصادي وانفجار مرفأ بيروت وجائحة كوفيد-19، تشكّل تحدياً لكثيرين. بيد أنّه بالنسبة إلى اللاجئين، إشتدّ أثر هذه الأزمات المتداخلة عليهم بوجهٍ خاص؛ فهم بلا شكّ يتأثّرون بشكلٍ متفاوت مع تحوّل مخاطر إهمالهم إلى حالةٍ دائمة. ومع ذلك، فقد رأينا مراراً وتكراراً كيف يمكن لأنظمة حماية حقوق الإنسان الصارمة، أن تخفّف من وقعالأثر على هذه المجتمعات المتضرّرة. وفي هذه المساهمة القصيرة، سأركّز على كيفيّة ألّا ننسى ماضي لبنان في تفكيرنا حول حماية اللاجئين في المستقبل. 

تتزامن أزمات لبنان مع الذكرى السنوية السبعين لإتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وهي صكّ قانوني لطالما اعتُبِر إلى جانب بروتوكولها الموقّع عام 1967 محورياً في حماية اللاجئين على الصعيد العالمي. وعلى الرغم من هذا الإعتراف، فإنّ أهميّة الإتفاقية وفائدتها أصبحتا موضع شكّ متزايد، وفي كثير من الأحيان من قبل الجهات الحكومية الفاعلة التي تسعى إلى الحدّ من إلتزاماتها تجاه اللاجئين. وبالتالي، أصبح القانون الدولي للاجئين، إلى حدّ ما، في حالة أزمة أيضاً، وهي أزمة تفاقمت بسبب عدد القيود المرتبطة بالتنقّل والمفروضة على مستوى العالم في مواجهة الجائحة.

في نهاية عام 2020، كانت 149 دولة طرفاً في إتفاقية عام 1951، أو بروتوكولها لعام 1967، أو  كليهما. بيد أنّ أربعة وأربعين عضواً في الأمم المتحدة لم يكونوا طرفاً في أيٍّ من هذه الصكوك الأساسيّة. ولبنان واحدٌ من هذه الدول غير الموقِّعة، ولكن لا ينبغي الإستهانة بعلاقته الوثيقة بالنظام الدولي لحماية اللاجئين أو نسيانها. ففي أعقاب الأزمة بالتحديد - الحرب العالمية الثانية - إنخرط لبنان في تأسيس النظام الدولي للاجئين.

وخلافاً للعديد من الدول الأخرى في المنطقة، ساهم لبنان بنشاط في تطوير الخصائص الأساسيّة لنظام حماية اللاجئين الحالي. وفي حين أنّ التزام لبنان المعايير الدولية لحقوق الإنسان متقلّب ومثير للجدل، فإنّ مشاركته الواسعة في تطوير مثل هذه الأنظمة القانونية تستحقّ الذكر. أولاً، كان واحداً من 20 دولة فقط شكّلت اللجنة التي عيّنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1946 لوضع الأساس لمنظمة اللاجئين الدولية (IRO). وعقب ذلك، شارك لبنان عام 1949 في إنشاء المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، ولاحقاً النظام الأساسي للمفوّضية. بالإضافة إلى ذلك، شارك لبنان بين عامي 1946 و1951 في صياغة أجزاء من إتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. غير أنّه قرّر في نهاية المطاف عدم التصديق على هذا الصكّ الرئيسي.

كما أنّ للبنان تاريخاً هاماً في المشاركة في وضع بعض الصكوك الأولى لحقوق الإنسان الدولية. من خلال شخصيّة لبنانية رائدة، الدكتور شارل مالك، الذي ترأس لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لفترتَين متتاليتَين (1952-1951)، كان لبنان عضواً في لجنة صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) المؤلّفة من ثمانية أشخاص. واليوم نرى علاقة لبنان الوثيقة بنظام الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تنعكس في مقدّمة الدستور اللبناني، التي تنصّ على ما يلي:

"كما عضو مؤسّس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتجسّد الحكومة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء".

تنصّ المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حقّ الفرد في "إلتماس والتمتّع" بالحماية من الإضطهاد. ويندرج مبدأها التوأمالمتمثّل في عدم الإعادة القسرية في عدد من صكوك القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويحظّر ترحيل الأفراد إلى خطر حقيقي يتمثّلبالتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ويخضع كلّ من هذين المبدأين لضغوط شديدة في أوقات الأزمات. وفي العديد من الدول الموقّعة وغير الموقّعة على حدٍّ سواء، يمكن القول أنّ تقييد وصول اللاجئين إلى اللجوء أصبح هدفاً سياسياً مشتركاً بشكلٍ متزايد. وفي مثل هذه الأوقات، قد نحتاج إلى تذكير أنفسنا بوصاية لبنان الخاصة على هذه الصكوك.

ومع ذلك، ووفقاً للقول المأثور القديم، في كلّ أزمة تكمن فرصة، ما الذي سيأتي بعد ذلك بالنسبة إلى مشاركة لبنان في حماية اللاجئين على الصعيد العالمي؟ هناك بطبيعة الحال خطر يتمثّل في تزايد النزعة القومية لدى الحكومات في مختلف أنحاء العالم، وسط مخاوف في شأن الحدود والقدرة على التنقّل. ولكنّنا قد نشهد أيضاً تحوّلاً أكثر تفاؤلاً في الأحداث. ففي ذروة الحرب العالمية الثانية، لم يتصوّر إلّا قلّة من الناس تطوير نظام حماية كالذي تحقّق بعد ذلك بفترة قصيرة. وفي وقتٍ ما في المستقبل، سيحصل ذلك الزخم ما بعد الأزمات مرّة أخرى، وعندما يحين ذلك الوقت، فإنّ لبنان ليس لديه تاريخ راسخ في التعامل مع معايير حقوق الإنسان فحسب، بل أيضاً هو مشاركٌ بالفعل في العديد من المنتديات الرئيسيّة.

مثلما شارك لبنان في تاريخ حماية اللاجئين على الصعيد العالمي، فهو بالفعل مهيّأ لصياغة خصائص حماية اللاجئين في المستقبل. منذ أوائل الستينيات، أصبح لبنان عضواً في اللجنة التنفيذية (ExCom) للمفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المكلّفة بتقديم المشورة للمفوّض السامي "في ممارسة مهامه بموجب النظام الأساسي للمفوّضية" والموافقة على برامج مساعدة المفوّض السامي. ومن خلال هذه المشاركة، يساهم لبنان بنشاط في تطوير مضمون قانون اللاجئين من خلال صياغة الإستنتاجات السنوية التي تفسّر هذه الإتفاقية. وتكتسي إستنتاجات اللجنة التنفيذية، التي يتمّ تبنّيها في الجلسات العامة بتوافق الآراء، أهمية كبيرة من خلال التعبير عن إجماع دولي حول القضايا القانونية المتعلّقة باللاجئين.

كما أنّ لبنان شارك في منتديات أخرى رفيعة المستوى تحدّد معايير حماية اللاجئين في المستقبل: أولاً، في مفاوضات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أدّت إلى تبنّي إعلان نيويورك لعام 2016 في شأن اللاجئين والمهاجرين - والذي يحدّد المبادئ التي من شأنها توجيه الإستجابة العالمية لنزوح اللاجئين - وثانياً، في مفاوضات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أدّت إلى تبنّي الميثاق العالمي في شأن اللاجئين (GCR) في ديسمبر/كانون الأول 2018، وثالثاً، في المنتدى العالمي الأوّل للاجئين في أواخر عام 2019 حيث تمّ التعهّد بوضع الميثاق العالمي في شأن اللاجئين موضع التنفيذ. والأهمّ من ذلك، ووفقاً لما تنصّ عليه المادة 5 من الميثاق العالمي في شأن اللاجئين،  إنّ الميثاق "يستند إلى النظام الدولي لحماية اللاجئين، ويركّز على المبدأ الأساسي المتمثّل في عدم الإعادة القسرية، وفي جوهره إتفاقية عام 1951 وبروتوكولها لعام 1967".

عند التفكير في حماية اللاجئين في المستقبل، قد ننظر إلى الماضي ونجد أمثلة ملهمة للمشاركة اللبنانية. في كلّ هذه المجالات، كانتلدى لبنان - ولا يزال - فرصة تطوير معنى المفاهيم الأساسيّة للقانون الدولي للاجئين ومضمونها. فقد يكون افتراض أنّ حماية اللاجئين أفضل في الدول الموقِّعة مقارنةً بغير الموقِّعة واسع الإنتشار ومتجذّر، لكنّ المثال اللبناني يُظهر أكثر من أيّ شيء آخر، أنّ هذه المسائل أكثر تعقيداً بكثير ممّا قد تبدو عليه للوهلة الأولى.

شارك:
facebook
Twitter
Whatsapp
Print
أيلول 2021
Softimpact Softimpact web design and development company website
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
مشروع «بناء السلام في لبنان»
لا تعكس المقالات والمقابلات والمعلومات الأخرى المذكورة في هذا الملحق بالضرورة وجهات نظر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. محتوى المقالات هو مسؤولية المؤلفين وحدها.
العنوان
:
مبنى البنك العربي، الطابق السادس، شارع رياض الصلح، النجمة، بيروت - لبنان
الهاتف
الهاتف المحمول
© حقوق الطبع والنشر 2021. جميع الحقوق محفوظة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.