UNDP Peace Building
UNDP Peace Building عربي UNDP Peace Building
UNDP Peace Building
المزيد
عرض أقل
المساحات العامة المتنازع عليها في صور
نشر في أيار 07, 2020 |
A-
A+
لطالما كانت مشكلة التخطيط المدني في لبنان موضوع اهتمام وجدل بالنسبة للباحثين والناشطين الذين يتطلعون إلى فهم تأثير تجارب العنف والخطورة وعدم الإستقرار على إعادة تشكيل الدول والمدن ما بعد الحرب. تحمل كلمة "مشكلة" في هذا السياق دلالة مزدوجة. فهي تشير من ناحية إلى التعقيد الفكري والمادي للتخطيط كممارسة في بلد قائم على الطائفية، ومن ناحية أخرى، تعكس وجهة نظر حول الإفتقار إلى سياسات تخطيط فعالة في لبنان. وتنطوي هذه التأكيدات على فهم للفضاء العام كنتاج العلاقات الإجتماعية، وهي نظرية قدمها هنري لوفيبفر (1991) في كتابه البارز إنتاج المساحة. ويرى لوفيبفر أن المساحة الإجتماعية تشبه المدينة بحيث أنها "نتيجة سلسلة ومجموعة من العمليات، وهي تتضمن "الأشياء المنتجة ... وتشمل العلاقات المترابطة في تعايشها وتزامنها" (لوفيبفر 1991، ص 73). وتنطوي نظريته على وجود ديناميات سلطة متنافسة تعيد تشكيل الفضاء العام في المدينة باستمرار، والتي بدورها تؤثر على كيفية اختبار المساحات العامة ومن يملك الحق في الوصول إليها.
الكاتب
محاضرة في برنامج العلوم الاعلامية في الجامعة الأميركية في بيروت
المساحات العامة المتنازع عليها في صور
لطالما كانت مشكلة التخطيط المدني في لبنان موضوع اهتمام وجدل بالنسبة للباحثين والناشطين الذين يتطلعون إلى فهم تأثير تجارب العنف والخطورة وعدم الإستقرار على إعادة تشكيل الدول والمدن ما بعد الحرب. تحمل كلمة "مشكلة" في هذا السياق دلالة مزدوجة. فهي تشير من ناحية إلى التعقيد الفكري والمادي للتخطيط كممارسة في بلد قائم على الطائفية، ومن ناحية أخرى، تعكس وجهة نظر حول الإفتقار إلى سياسات تخطيط فعالة في لبنان. وتنطوي هذه التأكيدات على فهم للفضاء العام كنتاج العلاقات الإجتماعية، وهي نظرية قدمها هنري لوفيبفر (1991) في كتابه البارز إنتاج المساحة. ويرى لوفيبفر أن المساحة الإجتماعية تشبه المدينة بحيث أنها "نتيجة سلسلة ومجموعة من العمليات، وهي تتضمن "الأشياء المنتجة ... وتشمل العلاقات المترابطة في تعايشها وتزامنها" (لوفيبفر 1991، ص 73). وتنطوي نظريته على وجود ديناميات سلطة متنافسة تعيد تشكيل الفضاء العام في المدينة باستمرار، والتي بدورها تؤثر على كيفية اختبار المساحات العامة ومن يملك الحق في الوصول إليها.
تكتسب النقطة الأخيرة أهمية خاصة في هذا المقال الذي يتطلع إلى فهم ديناميات التفاوض والمنازعة على المساحات العامة في مدينة صور الواقعة في جنوب لبنان. "الحق للمدينة" كمفهوم نظري ومكاني يعتمد بشكل جوهري وأساسي على وجود المساحات العامة (ميتشل، 2003)، وتتغير حدود هذا الحق بشكل دائم حيث يتصارع المواطنون بشأن كيفية ووقت ممارسته. ترتدي الأماكن العامة، بصفتها نقاط التقاء وأماكن للتواصل، أهمية متزايدة في دولة قائمة على الطائفية مثل لبنان. يمكن أن تكون أماكن للمصالحة ما بعد الحرب (لاركين، 2012) أو للتذكير بالماضي، كما يمكن أن تكون أماكن يتم من خلالها التفاوض على ديناميات السلطة (نوتشو، 2016) والمطالبة بالمواطنة. تعتبر صور التي تشكل إحدى أكبر المدن والمناطق الإدارية في جنوب لبنان، مساحة هامشية من حيث موقعها الجغرافي وتخلف التنمية الإجتماعي والإقتصادي فيها تاريخياً بالمقارنة مع وسط بيروت (ديب، 2006). لقد أنتج هذا التهميش المركّب مفاهيم وتعبيرات مختلفة للمساحات العامة فيها التي سيتم بحث ثلاث منها في هذا المقال وهي: الشاطئ العام، حديقة صور العامة، وساحة العلم.
يعد الشاطئ العام في صور من بين أنظف الشواطىء اللبنانية إذ يستقطب عدداً كبيراً من السياح المحليين والأجانب كل صيف. ولطالما كان البحر جزءاً من التكوين التاريخي والإجتماعي والإقتصادي للمدينة، وساهم في خلق و/أو دعم قصص عن مدينة صور كمدينة وميناء بناهما الفينيقيون، وبلدة لصيد الأسماك، و/أو كمساحة سياحية وترفيهية. في الآونة الأخيرة، بدا الشاطئ العام في تناقض كبير مع التخصيص المتزايد للشواطئ اللبنانية، فشكل بذلك أحد أماكن السباحة الوحيدة التي يمكن الوصول إليها بسهولة وتحظى بالصيانة الجيدة وتكون متاحة ومتوفرة للجميع بأسعار معقولة. 
يتسم الطابع العمومي المتصور لشاطئ صور واستخدامه لهذه الغاية بالأهمية على المستويين المحلي والعالمي. من ناحية، يتحدى فشل السياسات المحلية للدولة بتأمين شواطئ نظيفة ومتاحة للجميع، ومن ناحية أخرى، يؤكد عدم القدرة على “التحكم” في البحر الأبيض المتوسط والآثار البيئية المترتبة عليه كمورد طبيعي مشترك. وبالتالي عندما يقع شاطئ صور ضمن الديناميات والسياقات الأوسع للسلطة، يصبح مساحة للتفاوض على مفاهيم مختلفة تتعلق بالإنتماء والهوية الوطنية والعالمية، أي أنه يصبح مكاناً للتعامل مع الأشكال الثقافية للمواطنة.
ومن المساحات العامة المثيرة للجدل والمتنازع عليها في المدينة هي الحديقة العامة التي تقع على الأطراف الجنوبية من صور. تبلغ مساحة المنطقة المثلثة الشكل حوالي 0.2 كم 2، وهي في معظمها غير مستغلة على الرغم من قدرتها على ربط البر الرئيسي بالبلدات والأحياء المحيطة بها. أصبحت الحديقة العامة موضوعاً للنقاش بين بعض أصحاب المصلحة المحليين والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، وفيما يبدو الفريق الأول غير راغب في تفعيل المساحة يعتبر الفريق الثاني تفعيلها حقاً عاماً للمواطنين. وهكذا أصبحت الحديقة العامة في صور ساحة حرب أيديولوجية للحديث عن المشاركة المدنية والتشاركية في إقرار السياسات العامة والعدالة الإجتماعية في المدينة. 
أخيراً، إكتسبت ساحة العلم بالقرب من المدخل الشمالي لصور معنىً جديداً في أعقاب الإنتفاضة الأخيرة والتعبئة الجماهيرية في لبنان. تشكل هذه المساحة التي سميت على اسم العلم اللبناني الكبير في وسطها، دواراً بصورة رئيسية وتحمل دلالات ثقافية بصرية مثل اللوحات الإعلانية والملصقات وأعلام الأحزاب السياسية. لقد غيرت انتفاضة 17 تشرين الأول، التي وحدت اللبنانيين تحت سقف المطالب الإجتماعية والإقتصادية، استخدام هذه المساحة. فقد أصبحت ساحة يلتقي فيها المتظاهرون ويعقدون المناقشات. كما نصبت فيها الخيم وعقدت منتديات للمناقشة من قبل ناشطين محليين مختلفين ومنظمات غير حكومية ومواطنين عاديين، فتحولت من دوار إلى ساحة عامة. تعكس ساحة العلم الطريقة التي يتم فيها إعادة تكوين المساحات العامة واسترجاعها خلال الإنتفاضات الشعبية لتلعب دور المنصة التي تجري عليها ومن خلالها مناقشات حول المواطنة وعدم المساواة والهوية. هذا الفعل جزء من الزخم الوطني الأوسع الساعي لاستعادة المساحات العامة وإعادة تصميمها وإعادة ابتكارها من خلال الإحتجاجات، وبالتالي يتم دمج مدينة صور الهامشية من الناحية الجيوغرافية في المناقشات والخطابات الجارية على المستوى الوطني.
المساحات المذكورة أعلاه في صور هي موضع جدل وتخضع لإعادة التصميم من قبل المستخدمين بشكل مستمر، مما يعكس الطبيعة الديناميكية للمساحات الإجتماعية والمناقشة المستمرة حول مَن يمكنه الوصول إليها. يتأثر كلا العاملين بعلاقات القوة الأساسية، وهي تشمل في هذا السياق الأمة والمواطنة والهوية والإعتبارات الإجتماعية والإقتصادية. يمكن لديناميات الدفع والجذب بينهم أن تخلق تكرارات متعددة، وأحياناً متناقضة، للمساحة العامة داخل المدينة نفسها، ويمكنها أيضاً إنشاء جيوب من الزخم للتغيير الإجتماعي. 
 
المراجع:
- نيك كولدري (2006) "الثقافة والمواطنة: الحلقة المفقودة؟" المجلة الأوروبية للدراسات الثقافية، 9 (3) ص 321-339. 
- لارا ديب (2006) المتحضر المسحور: النوع الاجتماعي والتقوى الشعبية لدى الطائفة الشيعية في لبنان. برينستون: منشورات جامعة برينستون. 
- جون هارتلي وجوشوا غرين (2006) "المجال العام على الشاطئ". المجلة الأوروبية للدراسات الثقافية، 9 (3) ص 341-362. 
- كريغ لاركين (2012) الذاكرة والنزاع في لبنان: تذكر الماضي ونسيانه. نيويورك: منشورات روتليدج. 
- هنري لوفيبفر (1991) إنتاج المساحة [ترجمة دونالد نيكولسون سميث]. أوكسفور وكيمبردج الولايات المتحدة: منشورات بلاكويل.
- دون ميتشل (2003). الحق في المدينة: العدالة الإجتماعية والنضال من أجل المساحة العامة. نيويورك: منشورات غيلفورد.
- جوان راندا نوتشو (2016) التجليات اليومية للطائفية في المناطق الحضرية في لبنان. برينستون وأكسفورد: منشورات جامعة برينستون.
شارك:
facebook
Twitter
Whatsapp
Print
أيار 2020
Softimpact Softimpact web design and development company website
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
مشروع «بناء السلام في لبنان»
لا تعكس المقالات والمقابلات والمعلومات الأخرى المذكورة في هذا الملحق بالضرورة وجهات نظر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. محتوى المقالات هو مسؤولية المؤلفين وحدها.
العنوان
:
مبنى البنك العربي، الطابق السادس، شارع رياض الصلح، النجمة، بيروت - لبنان
الهاتف
الهاتف المحمول
© حقوق الطبع والنشر 2021. جميع الحقوق محفوظة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.